محمد باقر الملكي الميانجي
243
مناهج البيان في تفسير القرآن
فهذا التكلّم وإن كان في أوائل ولادته ، ولكنّه لو فرضناه في أثناء السنتين وأزيد فيكون آية أيضا . بعبارة أخرى مورد البشارة أنّ مريم عليها السلام ستلد غلاما مباركا يتكلّم بالنبوّة من حيث الولادة في المهد وكهلا . فبالحقيقة قيد المهد والكهل لإثبات آية النبوّة ، فعليه لا يتوجّه السؤال بأن التكلّم في المهد يمكن أن يكون خارقا للعادة وآية للنبوّة ، ولكنّ تكلّمه كهلا ليس أمرا خارقا للعادة ليكون آية للنبوّة . والجواب أنّ التكلّم في المهد برهان لنبوّته عليه السلام ، مع ما فيه من العناية والحكمة البالغة من اللّه في تنزيه ساحة مريم القدّيسة من الإثم والبغي ، وعطف التكلّم في الكهولة على المهد ليس لبيان أنّ التكلّم في الطفولة كان مثل التكلّم في الكهولة ، بل عطف آية مكان آية . إذ كلّ منها أمر خارق للعادة وآية بخصوصه ، فإنّ التكلّم بالنبوّة كما أنّه آية للنبوّة في الطفولة كذلك هو آية في الكهولة . وكذلك ليس عطف الكهولة على الطفولة لبيان تحديد عمر المسيح عليه السلام ولا في سياقه . قال في مجمع البيان 2 / 443 : وفي ظهور المعجزة في المهد قولان : أحدهما أنّها كانت مقرونة بنبوّة المسيح ؛ لأنّه - تعالى - أكمل عقله في تلك الحال وجعله نبيّا ، وأوحى إليه بما تكلّم به ، عن الجبائي . وقيل كان ذلك على التأسيس والإرهاص « 1 » لنبوّته ، عن ابن الإخشيد . ويجوز عندنا الوجهان . ويجوز أيضا أن يكون معجزة لمريم تدلّ على طهارتها وبراءة ساحتها . إذ لا مانع من ذلك ، وقد دلّت الأدلّة الواضحة على جوازه . أقول : ليس كلّ خارق للعادة معجزا بل الخارق إنّما يكون معجزا إذا كان بالتحدّي ، فإثبات الدّعوى وتعجيز الخصم المقابل معجزة بالحقيقة لغة واصطلاحا . وإذا كان الخارق لغير الغرض المذكور فهي كرامة . ولا احتياج في كون الخارق معجزا بكونه عقيب الدّعوى ، بل ربّما يكون نفس الدعوى إعجازا مثل القرآن الكريم فإنّه مصداق للنبوّة والرسالة بالحقيقة ، ومصداق للمعجزة أيضا ، وما نحن
--> ( 1 ) - الإرهاص هو الأمر الخارق للعادة الّذي يظهر من النبيّ قبل بعثته .